
كاتب: عمر فريد عالم - omar farid alam
بمبدأ قول الله عز وجل " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ " ، وأني لا أخفي عليكم بأني وخلال أكثر من عشرين عاماً في الحركة الكشفية، منذ أن كنت شبلاً عام 2004 وحتى يومنا هذا، تكوَّن لدي انطباع بأن الوصول إلى ما يُسمى بالمناصب أو المواقع القيادية، أو حتى فرص التطوع في المستويات العليا للإدارات الكشفية ، لا يعتمد دائماً على الكفاءة أو الخبرة أو حجم العطاء، بل يرتبط في بعض الأحيان بالثراء، أو بالنفوذ، أو بالانتماء إلى عائلات معروفة، أو بكون الشخص "ابن فلان وعلان"، أو بامتلاك شبكة واسعة من العلاقات والوساطات.
قد يكون هذا الانطباع صحيحاً في بعض التجارب، وقد لا ينطبق على تجارب أخرى، لكن ما أؤمن به يقيناً أن الحركة الكشفية وُجدت لتمنح الفرص على أساس الجدارة والإلتزام والخدمة، لا على أساس المكانة الاجتماعية أو الإمكانات المادية.ورغم كل ما واجهته، لم أتوقف عن العطاء، وما زلت أؤمن بأن العمل الصادق يترك أثراً، وأن القيادة الحقيقية تُبنى بالإنجاز، والأخلاق، وخدمة الآخرين، وليس بالألقاب أو المناصب.
ومن أكثر ما لفت انتباهي خلال السنوات الماضية أن الكشاف الذي يولد في أسرة ميسورة، ويستطيع والده تحمّل تكاليف مشاركاته في المخيمات والفعاليات الكشفية العالمية، يحظى بفرص أكبر لبناء شبكة من العلاقات مع القيادات الكشفية، وهو ما قد يفتح أمامه أبواباً عديدة مستقبلاً ، وليس المقصود هنا التقليل من استحقاق أي مشارك ، وإنما الإشارة إلى أن القدرة المالية قد تمنح صاحبها فرصاً إضافية لا تتوافر لغيره ليس فقط على مستوى الكشافة بل خارجها ويكون ذلك باباً .
وفي المقابل، يقف الكشاف المتميز محدود الدخل أمام تحديات أكبر ، إذ قد يُحرم من المشاركة بسبب التكاليف ، أو يُطلب منه اجتياز اختبارات ومنافسات لاختيار عدد محدود من المشاركين ، بينما يستطيع غيره المشاركة بمجرد قدرته على تحمل النفقات.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى تكافؤ الفرص بين جميع الكشافين ؟
لقد تحدثت عن هذا الموضوع في مقالاتي السابقة، لكنه كان حينها حالات متفرقة، أما اليوم فأشعر أن الأمر أصبح أكثر وضوحاً مع التحولات التي شهدتها الحركة الكشفية ، ومع ازدياد التركيز على الجوانب النظرية والإدارية ، على حساب التطبيق العملي الذي يمثل جوهر العمل الكشفي .
كما أن كثيراً من البرامج والدورات العالمية تُنفذ اليوم، لكنها لا تترك الأثر المأمول في تنمية الكشاف أو القائد ، سواء على مستوى المهارات أو الممارسة الميدانية.
إن الحركة الكشفية لم تُبنَ على الشهادات، ولا على كثرة الاجتماعات، ولا على المظاهر، وإنما قامت على التربية بالممارسة، والتعلم بالفعل، وخدمة المجتمع، وصناعة القادة من خلال التجربة الحقيقية.ولذلك، فإنني أذكر نفسي أولاً، ثم القيادات الكشفية على مختلف المستويات ، بأن نعيد النظر في أولوياتنا ، وأن نحافظ على هوية الحركة الكشفية ورسالتها الأصيلة ، فالنظرية مهمة، لكنها ليست سوى جزء من المنهج الكشفي، أما الجزء الأكبر فهو التطبيق العملي، والتجربة، والمغامرة، والعمل الجماعي، وخدمة الآخرين.
فإذا فقدت الكشافة " روحها العملية " ، وتحولت إلى لوائح واجتماعات وشهادات، فإنها ستفقد أهم ما يميزها عن بقية المؤسسات الشبابية ، والكشاف الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب التي شغلها ، ولا بعدد المؤتمرات التي حضرها، بل بما أحدثه من أثر في مجتمعه، وبما تركه من قدوة وعطاء للأجيال التي تأتي من بعده.
وفي ختام هذا المقال، أؤكد أن ما طرحته يمثل وجهة نظري الشخصية، المبنية على تجربة امتدت لأكثر من عشرين عاماً في الحركة الكشفية. وقد أكون مصيباً في بعض ما ذهبت إليه، وقد أكون مخطئاً في بعضه الآخر، لكنه يبقى رأياً قابلاً للنقاش.
ولم يكن هدفي توجيه النقد إلى دولة بعينها، أو جمعية كشفية معينة، أو مجموعة محددة، وإنما تسليط الضوء على ظاهرة أرى أنها تستحق المراجعة والحوار ، حرصاً على أن تظل الحركة الكشفية وفية لمبادئها القائمة على العدالة، وتكافؤ الفرص، والجدارة، وخدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.